الحرب في الشرق الأوسط.. تحذيرات أممية من كارثة بيئية تهدد المياه والهواء
الحرب في الشرق الأوسط.. تحذيرات أممية من كارثة بيئية تهدد المياه والهواء
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً ملحوظاً في التحذيرات الدولية من التداعيات البيئية للحرب الدائرة بين إيران وكلٍ من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وتوسع الهجمات لتطول عدداً كبيراً من دول الخليج، في ظل تزايد استهداف المنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه والبنية التحتية الحيوية، وحذرت الأمم المتحدة في بيان من أن هذه الهجمات قد تؤدي إلى آثار بيئية وإنسانية واسعة النطاق تهدد جودة الهواء ومصادر المياه الصالحة للشرب لملايين السكان، ويأتي هذا التحذير في وقت تتسع فيه رقعة العمليات العسكرية في المنطقة، ما يزيد من المخاوف بشأن انعكاسات الصراع على البيئة والصحة العامة والاستقرار الإقليمي.
أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن المنظمة الدولية تتابع بقلق بالغ التقارير المتعلقة باستهداف منشآت النفط ومحطات تحلية المياه في الشرق الأوسط، مؤكداً أن هذه الهجمات قد تؤدي إلى أضرار بيئية عابرة للحدود، وأوضح أن تدمير أو تعطيل منشآت الطاقة والمياه يمكن أن يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الملوثات في الهواء وتسرب مواد نفطية وكيميائية إلى التربة والمياه، وهو ما قد ينعكس مباشرة على صحة السكان والأمن الغذائي في المنطقة.
استهداف المنشآت الحيوية
تصاعدت المخاوف البيئية بعد تقارير عن هجوم بطائرة مسيرة استهدف محطة لتحلية المياه في البحرين، وهي منشأة أساسية لإمدادات المياه في البلاد، وقد أعلنت وزارة الداخلية البحرينية أن الطائرة المسيرة التي نسبت إلى إيران تسببت في أضرار بالمحطة، ما أثار قلقاً بشأن سلامة المنشآت الحيوية التي يعتمد عليها ملايين السكان في الخليج للحصول على مياه الشرب، وتعد محطات التحلية المصدر الرئيسي للمياه العذبة في دول الخليج التي تعاني من ندرة الموارد المائية الطبيعية.
كما يشكل استهداف محطات تحلية المياه تهديداً مباشراً للأمن المائي في المنطقة، وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن نحو 70 في المئة من مياه الشرب في دول الخليج تعتمد على محطات التحلية، ما يجعل هذه المنشآت من أكثر البنى التحتية حساسية، وتؤكد التقارير أن أي تعطيل طويل الأمد لهذه المحطات قد يؤدي إلى أزمة مياه حادة تؤثر على ملايين السكان
في المقابل، شهدت إيران استهدافاً لمنشآت نفطية خلال غارات إسرائيلية وأمريكية، فيما ردت طهران بهجمات على منشآت طاقة في دول أخرى بالمنطقة، ما أدى إلى تصاعد التوترات العسكرية، ويحذر خبراء البيئة من أن ضرب المنشآت النفطية يمكن أن يؤدي إلى انبعاث كميات ضخمة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة في الهواء، إضافة إلى احتمال تسرب النفط إلى المياه الجوفية أو البحار، وهو ما قد يترك آثاراً طويلة الأمد على البيئة البحرية والبرية وفق تحليلات خبراء البيئة.
تدهور بيئي واسع
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة "UNEP" إلى أن النزاعات المسلحة غالباً ما تؤدي إلى تدهور بيئي واسع النطاق، حيث يتم تدمير البنية التحتية الصناعية والنفطية وتلوث مصادر المياه والتربة، وتؤكد تقارير البرنامج أن الحروب يمكن أن تطلق ملايين الأطنان من الملوثات في الهواء والمياه، ما يزيد من مخاطر الأمراض المرتبطة بالتلوث مثل أمراض الجهاز التنفسي والسرطان.
كما تبين تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الشرق الأوسط يضم نحو 48 في المئة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، كما يحتوي على آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية، ويعني ذلك أن أي هجوم يستهدف هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى كوارث بيئية واسعة النطاق بسبب تسرب النفط أو احتراقه، وهو ما قد يطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون والمواد السامة في الغلاف الجوي.
مخاطر صحية ونزوح
ولا تقتصر التداعيات على الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى الأوضاع الإنسانية، فمع تدمير البنية التحتية الأساسية وتلوث مصادر المياه والهواء، يواجه السكان مخاطر صحية متزايدة إضافة إلى احتمال النزوح الداخلي نتيجة تدهور الظروف المعيشية، وتشير الأمم المتحدة إلى أن النزاعات المسلحة في المنطقة تسببت بالفعل في نزوح ملايين الأشخاص خلال السنوات الماضية، وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى موجات نزوح جديدة وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتشير دراسات بيئية وتقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن حرائق النفط قد تطلق جسيمات دقيقة وغازات سامة مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، وهي مواد ترتبط بزيادة معدلات الأمراض التنفسية والقلبية، كما يمكن أن تؤدي هذه الحرائق إلى تلوث التربة والمياه الجوفية، ما يؤثر على الزراعة والإنتاج الغذائي في المناطق المتضررة.
تحذيرات حقوقية
من جانبها، حذّرت منظمات حقوق الإنسان من أن استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني إذا أدى إلى أضرار واسعة النطاق للسكان المدنيين، وتنص اتفاقيات جنيف على ضرورة حماية المنشآت التي توفر الخدمات الأساسية مثل المياه والطاقة، وعدم استهدافها إذا كان ذلك يؤدي إلى حرمان المدنيين من الموارد الضرورية للبقاء بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر والقانون الدولي الإنساني.
كما أكدت منظمة العفو الدولية أن النزاعات في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية أظهرت أن التلوث الناتج عن استهداف المنشآت النفطية قد يستمر لسنوات طويلة. وتستشهد المنظمة بحوادث سابقة مثل حرائق آبار النفط في الخليج خلال حرب 1991، والتي أدت إلى انبعاث ملايين الأطنان من الدخان والمواد السامة، وتسببت في واحدة من أكبر الكوارث البيئية المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
مخاوف أممية
في السياق نفسه، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات البيئية القائمة في المنطقة، مثل ندرة المياه وتدهور الأراضي والتغير المناخي، ويؤكد خبراء أن الشرق الأوسط يعد من أكثر مناطق العالم عرضة لتأثيرات تغير المناخ، حيث ترتفع درجات الحرارة بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، ما يزيد من هشاشة الأنظمة البيئية بحسب تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ""IPCC.
كما دعا المسؤولون الأمميون جميع الأطراف إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية، مشددين على أهمية الالتزام بالقانون الدولي الإنساني خلال النزاعات المسلحة، وأكدت الأمم المتحدة أن حماية البيئة أثناء النزاعات تعد جزءاً أساسياً من حماية المدنيين، نظراً لأن تدهور البيئة يؤدي في النهاية إلى أزمات إنسانية طويلة الأمد.
وسبق أن حذّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن الأضرار البيئية الناتجة عن النزاعات المسلحة غالباً ما تستمر لفترات طويلة بعد انتهاء الحرب، حيث يتطلب إصلاح البنية التحتية المدمرة وتنظيف المناطق الملوثة سنوات من العمل واستثمارات مالية ضخمة، وتشير تقديرات دولية إلى أن إعادة تأهيل المناطق المتضررة بيئياً قد تكلف مليارات الدولارات، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على اقتصادات الدول المتأثرة بالصراع.
في ظل هذه التحذيرات، يواصل المجتمع الدولي متابعة تطورات الصراع في الشرق الأوسط وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى تفاقم الأضرار البيئية والإنسانية في المنطقة، وتؤكد التقارير الأممية أن الحفاظ على البيئة خلال النزاعات المسلحة أصبح قضية ملحة، نظراً لما تحمله الكوارث البيئية من آثار بعيدة المدى على الأمن والاستقرار والتنمية في العالم.











